محمد جواد مغنية
319
في ظلال نهج البلاغة
وكان عليه أن ينتفع بهذا الدرس ويتعظ ، ولا يعود إلى فعلته الأولى ، ولكنه سرعان ما ذهل وعاد إلى مثلها ( يعجب بنفسه إذا عوفي ) ويذهل عن المخبآت والمفاجات ، ويأتي قول الإمام : ما قال الناس لشيء طوبى له إلا وخبأ له الدهر يوم سوء ( ويقنط إذا ابتلي ) مع أن الفرج كثيرا ما يأتي من بطن الضيق ، ويأتي قول الإمام : عند تناهي الشدة تكون الفرجة ، وعند تضايق حلق البلاء يكون الرخاء . ( إن أصابه بلاء إلخ ) . . يشير إلى قوله تعالى : * ( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا ا للهَ مُخْلِصِينَ لَه ُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ) * - 65 العنكبوت ( تغلب نفسه على ما يظن إلخ ) . . هو يعلم أن سلوك هذا الطريق يعود عليه بالضرر لا محالة ، وفي الوقت نفسه يظن أن مع هذا الضرر الثابت ثبوتا يقينا - شيء من النفع ، فيتبع الظن ويدع العلم واليقين . . والسر ما أشرنا اليه منذ قليل ، وهو ان مصدر العلم العقل أو الوحي ، ومصدر الظن هنا العاطفة ، وأكثر الناس مع العاطفة لا مع الدين والعقل . ( يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ) أي يعظ ولا يتعظ ( ويرجو لنفسه بأكثر من عمله ) يعمل القليل ، ويطلب الأجر الكثير ( ان استغنى بطر إلخ ) . . عطف تفسير على يعجب بنفسه إذا عوفي ويقنط إذا ابتلي ( يقصّر إذا عمل ، ويبالغ إذا سأل ) لا يؤدي ما وجب عليه ، ويطالب بإلحاح بما لا يستحق ( إذا عرضت له شهوة أسلف المعصية إلخ ) . . أسلف : أسرع . وسوّف : أهمل ، والمعنى يسرع إلى الحرام ، ويهمل الواجب حتى كأن ما وجب عليه هو الحرام ، وما حرم عليه هو الواجب ، ومثله في الخطبة 101 : إذا دعي إلى حرث الدنيا عمل ، وإذا دعي إلى حرث الآخرة كسل . ( وان عرته محنة إلخ ) . . إذا نزلت به نازلة خرج عن دينه وعقله ، وتقدم مع الشرح في الحكمة 107 : ان أصابته مصيبة فضحه الجزع ( يصف العبرة ولا يعتبر ) تكرار بأسلوب ثان لقوله : يخاف على غيره . . ( فهو بالقول مدل إلخ ) . . أي مستعل ومستظهر ، وتقدم مثله في الحكمة 146 : مستظهرا بنعم اللَّه على عباد اللَّه ( ينافس فيما يفنى إلخ ) . . يباهي ويضاهي بمظاهر الزينة والرفاهية ، ولا يقيم وزنا للبر وآثاره ( يرى الغنم مغرما ، والغرم مغنما ) الغنم : الربح ،